مجد الدين ابن الأثير

377

المختار من مناقب الأخيار

وقد تدرّعنا الفراء من شدّة البرد وإذا نحن بإنسان عليه طمران ، وهو يرشح عرقا ، فقال له أبو سليمان : تعال ندفع إليك شيئا ممّا علينا من الثّياب . فقال الرجل : يا أبا سليمان ، أتشير إلى الزّهد ، وتجد البرد « 1 » ؟ وأنا أسيح في هذه البرّيّة منذ ثلاثين سنة ما انتفضت ولا ارتعدت ، يلبسني في البرد فيحا « 2 » من محبّته ، ويلبسني في الصّيف مذاق برد محبّته . ثم ذهب عنّا [ وهو يقول : يا دارانيّ ، تبكي وتصيح ، وتستريح إلى التّرويح « 3 » ؟ فكان أبو سليمان يقول : لم يعرفني غيره ] « 4 » . رحمة اللّه عليه ورضوانه . * * * وقال أحمد بن أبي الحواريّ : خرجت مع أبي سليمان رضي اللّه عنه إلى جبّ يوسف عليه السلام ، فلمّا صرنا في بعض الطّريق لقينا شابّ ناحل الجسم ، كبير « 5 » الهمّ . فسلّم على أبي سليمان سلام عارف ، ثم قال : يا أبا سليمان ، أنت المذكور بالشام ، الموصوف بين الضّخام ، إنّ اللّه تعالى قد أفادك دواء ، وقد انتفع به أقوام ، فهل لك أن تكسب فيّ ، وتطلب ما عند اللّه تعالى ؟ قال أحمد : فاتّكأ أبو سليمان على عكّازته ثم قال : سل ما بدا

--> ( 1 ) في صفة الصفوة 4 / 379 : فقال الرجل : يا داراني ؛ الحرّ والبرد خلقان للّه تعالى ، إن أمرهما أن يغشياني أصاباني ، وإن أمرهما أن يتركاني تركاني ، يا داراني ، تصف الزّهد وتخاف البرد ؟ أنا أسيح . . . » . ( 2 ) فاح الحرّ : اشتدّ سطوعه وهاج . ( 3 ) الترويح : الراحة . ( 4 ) صفة الصفوة 4 / 379 ، وما بين معقوفين مستدرك منه . ( 5 ) في ( ب ) : « كثير » .